كلامنا لفظ مفيد كاستقم
Friday, February 26, 2010 5:57:07 PM
أول المصطلحات التي عرفها ابن مالك في ألفيته هو مصطلح الكلام عندما قال: كلامنا لفظ مفيد كاستقم. وقد أحسن ابن مالك وأجاد إجادة بالغة باختيار الفعل (استقم) مثالاً للفظ المفيد الذي هو الكلام، ومثاله مؤلف من فعل هو (استقم) واسم هو ضمير مستتر في هذا الفعل تقديره (أنت)، وهو الفاعل وبذلك انعقد من الفعل والاسم كلام تام أو لفظ مفيد يحسن السكوت عليه كما يقول النحويون، ووجه الإجادة البالغة في اختيار (استقم) أنه مأخوذ من قوله تعالى : (فاستقم كما أمرت) ومن قوله صلى الله عليه وسلم الذي يعد من جوامع الكلم التي أوتيها الرسول صلى الله عليه وسلم (قل آمنت بالله ثم استقم).
وتمثيل الكلام بالفعل (استقم) مع فاعله المضمر فيه إشارة للمتكلم بالتزام الاستقامة في كلامه، فالإنسان مسؤول عن الكلام الذي يقوله (وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، ومن شأن الكلام في كثير من الأحيان أن يجر على صاحبه الآلام والعذاب، وفي الحديث (وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم) ويختلف الكلام عن القول في أن الكلام هو اللفظ المفيد الذي يحسن السكوت عليه بخلاف القول الذي قد يكون مفيداً وقد يكون غير مفيد، غير أنه قد يراد بالقول الكلام كقوله تعالى: (فقولا له قولاً ليناً) وكقوله تعالى: (قول معروف ...خير من صدقة يتبعها أذى).
ويشترك الكلام مع (الكَلْم) الذي هو الجرح وجمعه كلوم، يشترك معه في أنّ كلا منهما يترك أثراً واضحاً، فالكلام يترك أثراً في النفس، والكلم يترك أثراً في الجسم، غير أن أثر الكلام الموجع على النفوس أكثر إيلاما من الجروح التي تتركها السيوف أو الرماح في الأجساد، فهذه لها التئام وتلك لا التئام لها:
جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان.
ولأن أكثر الكلام إلى الشر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصمت ما لم يكن في الكلام خير بقوله: (فليقل خيراً أو ليصمت).
وكما أن من الكلام ما يجرح ويجرّ على صاحبه وعلى غيره الألم والعذاب ـ فإن منه ما فيه حياة القلوب وروح النفوس، ألا وهو كلام الله تبارك وتعالى ، ثم كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فكلام الله فيه الشفاء من أدواء القلوب والنفوس تلاوة وسماعاً، وفي امتثال ما فيه من أوامر ونواهٍ السعادةُ في الدنيا والأخرة، ولذلك كانت الصلاة التي هي الراحة الكبرى للنفوس المؤمنة، عمادها تلاوة كلام الله، وبخاصة فاتحة الكتاب وأم القرآن التي حوت الخير كله من حمد الله تعالى والثناء عليه والإقرار بربوبيته للعالمين ورحمته، وحسابه ليوم الدين، وتوحيده بالتوجه إليه بالعبادة وطلب الاستعانة والهداية للصراط المستقيم الذي سلكه الأنبياء والصالحون الذين أنعم الله عليهم والبعد عما يسخط الله ويؤدي للضلال.













